Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ عَلى ذِكْرِ النُّورِ لِأجْلِ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ عَنِ الجِسْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ قَبُولُ النُّورِ، ولَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ كَيْفِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ مُضادَّةٍ لِلنُّورِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا جَلَسَ إنْسانٌ بِقُرْبِ السِّراجِ، وجَلَسَ إنْسانٌ آخَرُ بِالبُعْدِ مِنهُ، فَإنَّ البَعِيدَ يَرى القَرِيبَ ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ صافِيًا مُضِيئًا، وأمّا القَرِيبُ فَإنَّهُ لا يَرى البَعِيدَ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا، فَلَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً لَكانَتْ حاصِلَةً بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً.
وإذْ ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ المُحْدَثاتِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِها، فالظُّلْمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في التَّقْدِيرِ والتَّحَقُّقِ عَلى النُّورِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُها في اللَّفْظِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ ما يُرْوى في الأخْبارِ الإلَهِيَّةِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ.