Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
العاشِرُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ بِدَلِيلِ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنّا لَوْ فَرَضْنا أنْفُسَنا واقِفِينَ عَلى طَرَفِ الفَلَكِ الأعْلى فَإنّا نُمَيِّزُ بَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي قُدّامَنا وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي خَلْفَنا، وثُبُوتُ هَذا الِامْتِيازِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ خارِجَ العالَمِ خَلاءٌ لا نِهايَةَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحُصُولُ هَذا العالَمِ في هَذا الحَيِّزِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ دُونَ سائِرِ الأحْيازِ أمْرٌ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ: أنَّ أجْرامَ السَّماواتِ والأرَضِينَ مُخْتَلِفَةٌ بِصِفاتٍ وأحْوالٍ، فَكانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ أضْدادِها ومُقابَلاتِها، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الِاخْتِصاصُ الخاصُّ إلّا لِمُرَجِّحٍ ومُقَدِّرٍ وإلّا فَقَدْ تُرُجِّحَ أحَدُ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ لا مَعْنى لِلْخَلْقِ إلّا التَّقْدِيرُ، فَلَمّا دَلَّ العَقْلُ عَلى حُصُولِ التَّقْدِيرِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ وجَبَ حُصُولُ الخَلْقِ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ العَشَرَةِ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ والظُّلُماتِ والنُّورِ التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ.