Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ لِأنَّ العالَمَ اسْمٌ لِكُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وما سِوى اللَّهِ إمّا جِسْمٌ أوْ حالٌّ فِيهِ أوْ لا جِسْمٌ ولا حالٌّ فِيهِ، وهو الأرْواحُ. ثُمَّ الأجْسامُ إمّا فَلَكِيَّةٌ، وإمّا عُنْصُرِيَّةٌ، أمّا الفَلَكِيّاتُ فَأوَّلُها العَرْشُ المَجِيدُ، ثُمَّ الكُرْسِيُّ الرَّفِيعُ. ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَرْشَ ما هو، وأنَّ الكُرْسِيَّ ما هو، وأنْ يَعْرِفَ صِفاتِهِما وأحْوالَهُما، ثُمَّ يَتَأمَّلَ أنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ والقَلَمَ والرَّفْرَفَ والبَيْتَ المَعْمُورَ وسِدْرَةَ المُنْتَهى ما هي، وأنْ يَعْرِفَ حَقائِقَها، ثُمَّ يَتَفَكَّرَ في طَبَقاتِ السَّماواتِ وكَيْفِيَّةِ اتِّساعِها وأجْرامِها وأبْعادِها، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في الكَواكِبِ الثّابِتَةِ والسَّيّارَةِ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ والمَوالِيدِ الثَّلاثَةِ وهي المَعادِنُ والنَّباتُ والحَيَوانُ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ في كَيْفِيَّةِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ الأشْياءَ الحَقِيرَةَ والضَّعِيفَةَ كالبَقِّ والبَعُوضِ، ثُمَّ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَعْرِفَةِ أجْناسِ الأعْراضِ وأنْواعِها القَرِيبَةِ والبَعِيدَةِ، وكَيْفِيَّةِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها، ثُمَّ يَنْتَقِلَ مِنها إلى تَعَرُّفِ مَراتِبِ الأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ والعَرْشِيَّةِ والفَلَكِيَّةِ، ومَراتِبِ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ عَنْ عَلائِقِ الأجْسامِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] فَإذا اسْتَحْضَرَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ بِقَدْرِ القُدْرَةِ والطّاقَةِ، فَقَدْ حَضَرَ في عَقْلِهِ ذَرَّةٌ مِن مَعْرِفَةِ العالَمِ، وهو كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَعْرِفُ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لَها مِنَ الوُجُودِ وكَمالاتِ الوُجُودِ في ذَواتِها مِن صِفاتِها وأحْوالِها وعَلائِقِها، فَمِن إيجادِ الحَقِّ ومِن جُودِهِ ووُجُودِهِ، فَعِنْدَ هَذا يَعْرِفُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ذَرَّةً، وهَذا بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وكَلامٌ لا آخِرَ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.