Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ النِّعَمَ قَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ ومُحَصِّلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ هو العَبْدَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَ جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ النِّعَمِ لِلْعَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ واصِلًا إلى جَمِيعِ أقْسامِ النِّعَمِ، إذْ لا أحَدَ إلّا وهو يُرِيدُ تَحْصِيلَ كُلِّ النِّعَمِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِحُدُوثِ هَذِهِ النِّعَمِ مِن مُحْدِثٍ وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ المُحْدِثَ لَيْسَ هو العَبْدَ، فَوَجَبَ الإقْرارُ بِمُحْدِثٍ قاهِرٍ قادِرٍ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن مَقاصِدِ هَذِهِ الكَلِمَةِ: أنَّ القُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها وبُغْضِ مَن أساءَ إلَيْها، فَإذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ بِالتَّحْمِيدِ، وكانَ الأمْرُ بِالتَّحْمِيدِ مِمّا يَحْمِلُهُ عَلى تَذَكُّرِ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، صارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ حامِلًا لِلْعَبْدِ عَلى تَذَكُّرِ أنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ كَثِيرَةً خارِجَةً عَنِ الحَدِّ والإحْصاءِ، صارَ تَذَكُّرُ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبَةً رُسُوخَ حُبِّ اللَّهِ تَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ يُفِيدُ
صفحة ١٢٢
هاتَيْنِ الفائِدَتَيْنِ الشَّرِيفَتَيْنِ:
إحْداهُما: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِها عَنِ الإقْرارِ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى.