Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذِهِ الماهِيَّةَ لِلَّهِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن ثُبُوتِ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ أقْسامِ الحَمْدِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ، مِثْلُ شُكْرِ الأُسْتاذِ عَلى تَعْلِيمِهِ، وشُكْرُ السُّلْطانِ عَلى عَدْلِهِ، وشُكْرُ المُحْسِنِ عَلى إحْسانِهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ» “ .
قُلْنا: المَحْمُودُ والمَشْكُورُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: صُدُورُ الإحْسانِ مِنَ العَبْدِ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ داعِيَةِ الإحْسانِ في قَلْبِ العَبْدِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لافْتَقَرَ في حُصُولِها إلى داعِيَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، بَلْ حُصُولُها لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَتِلْكَ الدّاعِيَةُ عِنْدَ حُصُولِها يَجِبُ الفِعْلُ وعِنْدَ زَوالِها يَمْتَنِعُ الفِعْلُ، فَيَكُونُ المُحْسِنُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ، فَيَكُونُ المُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمْدٍ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى.