Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:119-120
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قِيلَ: إنَّ هَذا جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الفَوْزَ العَظِيمَ ؟ فَقِيلَ: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وفي هَذِهِ الخاتِمَةِ الشَّرِيفَةِ أسْرارٌ كَثِيرَةٌ ونَحْنُ نَذْكُرُ القَلِيلَ مِنها. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ ومَن فِيهِنَّ، فَغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، والسَّبَبُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كُلَّ المَخْلُوقاتِ مُسَخَّرُونَ في قَبْضَةِ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وهم في ذَلِكَ التَّسْخِيرِ كالجَماداتِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها وكالبَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، فَعِلْمُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كَلا عِلْمٍ، وقُدْرَةُ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كَلا قُدْرَةٍ. والثّانِي: أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ العَهْدِ المُنْعَقِدِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ وكَمالُ حالِ المُؤْمِنِ في أنْ يَشْرَعَ في العُبُودِيَّةِ ويَنْتَهِيَ إلى الفَناءِ المَحْضِ عَنْ نَفْسِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ هو الشَّرِيعَةُ وهو البِدايَةُ، والآخِرُ هو الحَقِيقَةُ وهو النِّهايَةُ. فَمُفْتَتَحُ السُّورَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ ومُخْتَتَمُها بِذِكْرِ كِبْرِياءِ اللَّهِ وجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ وعُلُوِّهِ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الحَقِيقَةِ، فَما أحْسَنَ
صفحة ١١٦
المُناسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ المُفْتَتَحِ، وهَذا المُخْتَتَمِ.