Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:119-120
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ صِدْقَ الصّادِقِينَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وهو الثَّوابُ، وحَقِيقَةُ الثَّوابِ أنَّها مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ الخالِصَةِ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ. واعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الثَّوابَ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وأيْنَما ذَكَرَ عِقابَ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ ذَكَرَ لَفْظَ الخُلُودِ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ. هَذا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلَنا اللَّهُ مِن أهْلِها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) عائِدٌ إلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ وعِنْدِي أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ أرْبابِ الألْبابِ أنَّ جُمْلَةَ الجَنَّةِ بِما فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى رِضْوانِ اللَّهِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ، وكَيْفَ والجَنَّةُ مَرْغُوبُ الشَّهْوَةِ، والرِّضْوانُ صِفَةُ الحَقِّ، وأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، وهَذا الكَلامُ يَشْمَئِزُّ مِنهُ طَبْعُ المُتَكَلِّمِ الظّاهِرِيِّ، ولَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ.