Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:116
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَألَ عِيسى أنَّكَ هَلْ قُلْتَ كَذا ؟ لَمْ يَقُلْ عِيسى بِأنِّي قُلْتُ أوْ ما قُلْتُ، بَلْ قالَ: ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وهَذا لَيْسَ بِحَقٍّ؛ يُنْتِجُ أنَّهُ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ هَذا الكَلامَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ شَرَعَ في بَيانِ أنَّهُ هَلْ وقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُ أمْ لا ؟ فَلَمْ يَقُلْ بِأنِّي ما قُلْتُ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى دَعْوى الطَّهارَةِ والنَّزاهَةِ، والمَقامُ مَقامُ الخُضُوعِ والتَّواضُعِ، ولَمْ يَقُلْ بِأنِّي قُلْتُهُ، بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالكُلِّ.
فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهَذا مُبالَغَةٌ في الأدَبِ وفي إظْهارِ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الجَلالِ، وتَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ عِباراتِ: تَعْلَمُ ما أُخْفِي ولا أعْلَمُ ما تُخْفِي، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما عِنْدِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما كانَ مِنِّي في الدُّنْيا ولا أعْلَمُ ما كانَ مِنكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أقُولُ وأفْعَلُ، ولا أعْلَمُ ما تَقُولُ وتَفْعَلُ.