Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:110-111
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي وهو الأقْوى: أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن صارَ بانِيًا في أصْنافِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْها العُلَماءُ. فَقَوْلُهُ: (التَّوْراةُ والإنْجِيلُ) إشارَةٌ إلى الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا أكابِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
* *
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (فَتَكُونُ طائِرًا) والباقُونَ (طَيْرًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وطَيْرٌ جَمْعُ طائِرٍ كَضَأْنٍ وضائِنٍ ورَكْبٍ وراكِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وذَكَرَ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ .
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ الضَّمِيرُ لِلْكافِ؛ لِأنَّها صِفَةُ الهَيْئَةِ الَّتِي كانَ يَخْلُقُها عِيسى ويَنْفُخُ فِيها ولا يَرْجِعُ إلى الهَيْئَةِ المُضافِ إلَيْها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ ولا نَفْخِهِ في شَيْءٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الكافُ تُؤَنَّثُ بِحَسَبَ المَعْنى لِدَلالَتِها عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي هي مِثْلُ هَيْئَةِ الطَّيْرِ، وتُذَكَّرُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَقَعَ الضَّمِيرُ عَنْها تارَةً عَلى وجْهِ التَّذْكِيرِ وأُخْرى عَلى وجْهِ التَّأْنِيثِ.