Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأيْمانُ تُغَلَّظُ في الدِّماءِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، والمالِ إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَحْلِفُ بَعْدَ العَصْرِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ، وفي بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في أشْرَفِ المَساجِدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْلِفُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ الحَلِفُ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، وهَذا عَلى خِلافِ الآيَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ لِلْجَزاءِ، يَعْنِي: تَحْبِسُونَهُما فَيُقْدِمانِ لِأجْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ عَلى القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما فَحَلِّفُوهُما، وبِهَذا يَحْتَجُّ مَن يَقُولُ الآيَةُ نازِلَةٌ في إشْهادِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدِ المُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ومَن قالَ: الآيَةُ نازِلَةٌ في حَقِّ المُسْلِمِ، قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ.