Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بَعْضُكم بَعْضًا ويُرَغِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا في الخَيْراتِ، ويُنَفِّرُهُ عَنِ القَبائِحِ والسَّيِّئاتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مَعْناهُ احْفَظُوا أنْفُسَكم، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ نَحْفَظَ أنْفُسَنا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحِفْظُ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كانَ ذَلِكَ واجِبًا.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الوَعْظُ، ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ بِسَبَبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَهاهُنا لا يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْمُرَهم بِالمَعْرُوفِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ ما ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا خافَ الإنْسانُ عِنْدَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى عِرْضِهِ أوْ عَلى مالِهِ، فَهاهُنا عَلَيْهِ نَفْسُهُ لا تَضُرُّهُ ضَلالَةُ مَن ضَلَّ ولا جَهالَةُ مَن جَهِلَ، وكانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: مَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ.
الوَجْهُ السّادِسُ: لا يَضُرُّكم - إذا اهْتَدَيْتُمْ فَأمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ - ضَلالُ مَن ضَلَّ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ.