Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:105
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ لِعَشائِرِهِمْ لَمّا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَضُرُّهم جَهْلُ أُولَئِكَ الجاهِلِينَ إذا كانُوا راسِخِينَ في دِينِهِمْ ثابِتِينَ فِيهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ واجِبٍ.
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ تُوجِبُ أنَّ المُطِيعَ لِرَبِّهِ لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِذُنُوبِ العاصِي، فَأمّا وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَثابِتٌ بِالدَّلائِلِ، «خَطَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» “ .