Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:97
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أرْبَعَةَ أشْياءَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ وقِوامِهِمْ، الأوَّلُ: الكَعْبَةُ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى كَوْنِها سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ، وأمّا الثّانِي: فَهو الشَّهْرُ الحَرامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ هو أنَّ العَرَبَ كانَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا في سائِرِ الأشْهُرِ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَإذا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرامُ زالَ الخَوْفُ وقَدَرُوا عَلى الأسْفارِ والتِّجاراتِ وصارُوا آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وكانُوا يُحَصِّلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ مِنَ الأقْواتِ ما كانَ يَكْفِيهِمْ طُولَ السَّنَةِ، فَلَوْلا حُرْمَةُ الشَّهْرِ الحَرامِ لَهَلَكُوا وتَفانَوْا مِنَ الجُوعِ والشِّدَّةِ، فَكانَ الشَّهْرُ الحَرامُ سَبَبًا لِقِوامِ مَعِيشَتِهِمْ في الدُّنْيا أيْضًا، فَهو سَبَبٌ لِاكْتِسابِ الثَّوابِ العَظِيمِ بِسَبَبِ إقامَةِ مَناسِكِ الحَجِّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالشَّهْرِ الحَرامِ الأشْهُرَ الحُرُمَ الأرْبَعَةَ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهو الهَدْيُ، وهو إنَّما كانَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ؛ لِأنَّ الهَدْيَ ما يُهْدى إلى البَيْتِ ويُذْبَحُ هُناكَ ويُفَرَّقُ لَحْمُهُ عَلى الفُقَراءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نُسُكًا لِلْمُهْدِي وقِوامًا لِمَعِيشَةِ الفُقَراءِ.