Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:97
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ قِوامًا لِلنّاسِ في دِينِهِمْ بِسَبَبِ ما جَعَلَ فِيها مِنَ المَناسِكِ العَظِيمَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، وجَعَلَ تِلْكَ المَناسِكَ سَبَبًا لِحَطِّ الخَطِيئاتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الكَراماتِ.
صفحة ٨٤
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ إمّا بِكَثْرَةِ المَنافِعِ وهو الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإمّا بِدَفْعِ المَضارِّ وهو الوَجْهُ الثّانِي، وإمّا بِحُصُولِ الجاهِ والرِّياسَةِ وهو الوَجْهُ الثّالِثُ، وإمّا بِحُصُولِ الدِّينِ وهو الوَجْهُ الرّابِعُ، فَلَمّا كانَتِ الكَعْبَةُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، وثَبَتَ أنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ لَيْسَ إلّا بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ، ثَبَتَ أنَّ الكَعْبَةَ سَبَبٌ لِقَوامِ النّاسِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أيْ لِبَعْضِ النّاسِ وهُمُ العَرَبُ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ؛ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ إذا قالُوا: النّاسُ فَعَلُوا كَذا وصَنَعُوا كَذا، فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ إلّا أهْلَ بَلْدَتِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ عَلى وفْقِ عادَتِهِمْ.