Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:91
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى اشْتِمالَ شُرْبِ الخَمْرِ واللَّعِبِ بِالمَيْسِرِ عَلى هَذِهِ المَفاسِدِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النِّساءِ: ٤٣] قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا يا رَبِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا في الظّاهِرِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هو النَّهْيُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذِهِ الأفْعالَ وأظْهَرَ قُبْحَها لِلْمُخاطَبِ، فَلَمّا اسْتَفْهَمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ تَرْكِها لَمْ يَقْدِرِ المُخاطَبُ إلّا عَلى الإقْرارِ بِالتَّرْكِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُهُ بَعْدَما قَدْ ظَهَرَ مِن قُبْحِهِ ما قَدْ ظَهَرَ ؟ فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى تَنْصِيصِ اللَّهِ تَعالى عَلى وُجُوبِ الِانْتِهاءِ مَقْرُونًا بِإقْرارِ المُكَلَّفِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى تَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ مِن وُجُوهٍ:
دُها: تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لا رِجْسَ ولا شَيْءَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ.