Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:87
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وبِهَذا الكَلامِ ظَهَرَ وجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلَمّا مَدَحَهم أوْهَمَ ذَلِكَ المَدْحُ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، فَذَكَرَ تَعالى [ ذَلِكَ ] عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ إزالَةً لِذَلِكَ الوَهْمِ، لِيُظْهِرَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذا النَّهْيِ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الطِّباعِ والقُلُوبِ، فَإذا تَوَسَّعَ الإنْسانُ في اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أقْوى وأعْظَمَ، وكُلَّما ازْدادَ المَيْلُ قُوَّةً ورَغْبَةً ازْدادَ حِرْصُهُ في طَلَبِ الدُّنْيا واسْتِغْراقُهُ في تَحْصِيلِها، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي طاعَتِهِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، وأمّا إذا أعْرَضَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَكُلَّما كانَ ذَلِكَ الإعْراضُ أتَمَّ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أضْعَفَ والرَّغْبَةُ أقَلَّ، وحِينَئِذٍ تَتَفَرَّغُ النَّفْسُ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ في خِدْمَتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما الحِكْمَةُ في نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الرَّهْبانِيَّةِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: