Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:66
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ مَعْنى الِاقْتِصادِ في اللُّغَةِ الِاعْتِدالُ في العَمَلِ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ ولا تَقْصِيرٍ، وأصْلُهُ القَصْدُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَرَفَ مَطْلُوبَهُ فَإنَّهُ يَكُونُ قاصِدًا لَهُ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ ولا اضْطِرابٍ، أمّا مَن لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَ مَقْصُودِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مُتَحَيِّرًا، تارَةً يَذْهَبُ يَمِينًا وأُخْرى يَسارًا، فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ الِاقْتِصادُ عِبارَةً عَنِ العَمَلِ المُؤَدِّي إلى الغَرَضِ، ثُمَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ المُقْتَصِدَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِنَ اليَهُودِ، والنَّجاشِيِّ مِنَ النَّصارى، فَهم عَلى القَصْدِ مِن دِينِهِمْ، وعَلى المَنهَجِ المُسْتَقِيمِ مِنهُ، ولَمْ يَمِيلُوا إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ.
والثّانِي: المُرادُ مِنها الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ عُدُولًا في دِينِهِمْ، ولا يَكُونُ فِيهِمْ عِنادٌ
صفحة ٤١
شَدِيدٌ ولا غِلْظَةٌ كامِلَةٌ، كَما قالَ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنهم ما أسْوَأ عَمَلَهم، والمُرادُ: مِنهُمُ الأجْلافُ المَذْمُومُونَ المُبْغَضُونَ الَّذِينَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ الدَّلِيلُ ولا يَنْجَعُ فِيهِمُ القَوْلُ.