Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:64-65
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اليَدُ في حَقِّ اللَّهِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الجارِحَةِ، وأمّا سائِرُ المَعانِي فَكُلُّها حاصِلَةٌ، وهَهُنا قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنَّ أبا الحَسَنِ الأشْعَرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ في بَعْضِ أقْوالِهِ أنَّ اليَدَ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهي صِفَةٌ سِوى القُدْرَةِ مِن شَأْنِها التَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوعَ خَلْقِ آدَمَ بِيَدَيْهِ عِلَّةً لِكَرامَةِ آدَمَ واصْطِفائِهِ، فَلَوْ كانَتِ اليَدُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلِاصْطِفاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ صِفَةٍ أُخْرى وراءَ القُدْرَةِ يَقَعُ بِها الخَلْقُ والتَّكْوِينُ عَلى سَبِيلِ الِاصْطِفاءِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ زَعَمُوا أنَّ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ وعَنِ النِّعْمَةِ.
فَإنْ قِيلَ: إنْ فَسَّرْتُمُ اليَدَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ فَهَذا مُشْكَلٌ؛ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى واحِدَةٌ، ونَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ تارَةً، وبِإثْباتِ الأيْدِي أُخْرى، وإنْ فَسَّرْتُمُوها بِالنِّعْمَةِ فَنَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِإثْباتِ اليَدَيْنِ، ونِعَمُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤] .