Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:64-65
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلُّ اليَدِ وبَسْطُها مَجازٌ مَشْهُورٌ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ قالُوا: والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ لا سِيَّما لِدَفْعِ المالِ ولِإنْفاقِهِ، فَأطْلَقُوا اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، وأسْنَدُوا الجُودَ والبُخْلَ إلى اليَدِ والبَنانِ والكَفِّ والأنامِلِ، فَقِيلَ لِلْجَوادِ: فَيّاضُ الكَفِّ مَبْسُوطُ اليَدِ، وبَسِطُ البَنانِ تَرِهُ الأنامِلِ، ويُقالُ لِلْبَخِيلِ: كَزُّ الأصابِعِ مَقْبُوضُ الكَفِّ جَعْدُ الأنامِلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ المُرادُ مِنهُ البُخْلُ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ أيْضًا البُخْلُ لِتَصِحَّ المُطابَقَةُ، والبُخْلُ مِنَ الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ؟
قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المُكْنَةِ مِنَ البَذْلِ والإعْطاءِ، ثُمَّ إنَّ عَدَمَ المُكْنَةِ مِنَ الإعْطاءِ تارَةً يَكُونُ لِأجْلِ البُخْلِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ الفَقْرِ، وتارَةً يَكُونُ لِأجْلِ العَجْزِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ
صفحة ٣٦
عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ؛ سَواءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ العَجْزِ أوِ الفَقْرِ أوِ البُخْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ يَزُولُ الإشْكالُ.