Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:62-63
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في
صفحة ٣٤
تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾