Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ كَلِمَةَ (عَلى) حَتّى يَدُلَّ عَلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ وفَضْلِهِمْ وشَرَفِهِمْ، فَيُفِيدَ أنَّ كَوْنَهم أذِلَّةً لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ ذَلِيلِينِ في أنْفُسِهِمْ، بَلْ ذاكَ التَّذَلُّلُ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّهم أرادُوا أنْ يَضُمُّوا إلى عُلُوِّ مَنصِبِهِمْ فَضِيلَةَ التَّواضُعِ، وقُرِئَ (أذِلَّةً وأعِزَّةً) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الواوُ لِلْحالِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُراقِبُونَ الكُفّارَ ويَخافُونَ لَوْمَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن كانَ قَوِيًّا في الدِّينِ فَإنَّهُ لا يَخافُ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ بِيَدِهِ ولِسانِهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْنى أنَّ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا لِغَرَضٍ آخَرَ، ومِن شَأْنِهِمْ أنَّهم صِلابٌ في نُصْرَةِ الدِّينِ لا يُبالُونَ بِلَوْمَةِ اللّائِمِينَ، واللَّوْمَةُ المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ اللَّوْمِ، والتَّنْكِيرُ فِيها وفي اللّائِمِ مُبالَغَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخافُونَ قَطُّ مِن لَوْمِ أحَدٍ مِنَ اللّائِمِينَ.
* * *