Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ وهو صِفَةُ أبِي بَكْرٍ أيْضًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ويُؤَكِّدُهُ ما رُوِيَ في الخَبَرِ المُسْتَفِيضِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ» فَكانَ مَوْصُوفًا بِالرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ وبِالشِّدَّةِ مَعَ الكُفّارِ، ألا تَرى أنَّ في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ في مَكَّةَ وكانَ في غايَةِ الضَّعْفِ كَيْفَ كانَ يَذُبُّ عَنِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَيْفَ كانَ يُلازِمُهُ ويَخْدِمُهُ، وما كانَ يُبالِي بِأحَدٍ مِن جَبابِرَةِ الكُفّارِ وشَياطِينِهِمْ، وفي آخِرِ الأمْرِ أعْنِي وقْتَ خِلافَتِهِ كَيْفَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ أحَدٍ، وأصَرَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المُحارَبَةِ مَعَ مانِعِيِ الزَّكاةِ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ خَرَجَ إلى قِتالِ القَوْمِ وحْدَهُ، حَتّى جاءَ أكابِرُ الصَّحابَةِ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ ومَنَعُوهُ مِنَ الذَّهابِ، ثُمَّ لَمّا بَلَغَ بَعْثُ العَسْكَرِ إلَيْهِمُ انْهَزَمُوا وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مَبْدَأً لِدَوْلَةِ الإسْلامِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ.