Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمُحارَبَةِ المُرْتَدِّينَ، وأبُو بَكْرٍ هو الَّذِي تَوَلّى مُحارَبَةَ المُرْتَدِّينَ عَلى ما شَرَحْنا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُحارَبَةُ المُرْتَدِّينَ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ وهَذا لِلِاسْتِقْبالِ لا لِلْحالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ القَوْمُ غَيْرَ مَوْجُودِينَ في وقْتِ نُزُولِ هَذا الخِطابِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا لازِمٌ عَلَيْكم؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ قاتَلَ بِهِمْ أبُو بَكْرٍ أهْلَ الرِّدَّةِ ما كانُوا مَوْجُودِينَ في الحالِ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن هَذا الحِرابِ، وأبُو بَكْرٍ وإنْ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا أنَّهُ ما كانَ مُسْتَقِلًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِالحِرابِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَزالَ السُّؤالُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ هو عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ عَلِيًّا لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ قِتالٌ مَعَ أهْلِ الرِّدَّةِ، فَكَيْفَ تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ ؟ .
فَإنْ قالُوا: بَلْ كانَ قِتالُهُ مَعَ أهْلِ الرِّدَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن نازَعَهُ في الإمامَةِ كانَ مُرْتَدًّا.