Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ إقْدامَ القَوْمِ عَلى التَّحْرِيفِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِخَوْفٍ ورَهْبَةٍ، أوْ لِطَمَعٍ ورَغْبَةٍ، ولَمّا كانَ الخَوْفُ أقْوى تَأْثِيرًا مِنَ الطَّمَعِ قَدَّمَ - تَعالى - ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ والمَعْنى إيّاكم وأنْ تُحَرِّفُوا كِتابِي لِلْخَوْفِ مِنَ النّاسِ والمُلُوكِ والأشْرافِ، فَتُسْقِطُوا عَنْهُمُ الحُدُودَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ وتَسْتَخْرِجُوا الحِيَلَ في سُقُوطِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم، فَلا تَكُونُوا خائِفِينَ مِنَ النّاسِ، بَلْ كُونُوا خائِفِينَ مِنِّي ومِن عِقابِي.
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الرَّهْبَةِ أتْبَعَهُ بِأمْرِ الرَّغْبَةِ، فَقالَ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أيْ كَما نَهَيْتُكم عَنْ تَغْيِيرِ أحْكامِي لِأجْلِ الخَوْفِ والرَّهْبَةِ، فَكَذَلِكَ أنْهاكم عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ لِأجْلِ الطَّمَعِ في المالِ والجاهِ وأخْذِ الرَّشْوَةِ، فَإنَّ كُلَّ مَتاعِ الدُّنْيا قَلِيلٌ، والرَّشْوَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَها مِنهم في غايَةِ القِلَّةِ، والرَّشْوَةُ لِكَوْنِها سُحْتًا تَكُونُ قَلِيلَةَ البَرَكَةِ والبَقاءِ والمَنفَعَةِ، فَكَذَلِكَ المالُ الَّذِي تَكْتَسِبُونَهُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ثُمَّ أنْتُمْ تُضَيِّعُونَ بِسَبَبِهِ الدِّينَ والثَّوابَ المُؤَبَّدَ والسَّعاداتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.