Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:41
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الفِتْنَةِ مُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ مَذْكُورًا عَقِيبَ أنْواعِ كُفْرِهِمُ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ تِلْكَ الكُفْرِيّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ كُفْرَهُ وضَلالَتَهُ فَلَنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى هَذا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ .
قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ إسْلامَ الكافِرِ، وأنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَآمَنَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى القَدَرِيَّةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الفِتْنَةَ هي العَذابُ، قالَ تَعالى: ﴿عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (الذّارِياتِ: ١٣) أيْ يُعَذَّبُونَ، فالمُرادُ هَهُنا: أنَّهُ يُرِيدُ عَذابَهُ لِكُفْرِهِ ونِفاقِهِ.
وثانِيها: الفِتْنَةُ الفَضِيحَةُ، يَعْنِي ومَن يُرِدِ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ.
الثّالِثُ: فِتْنَتَهُ: إضْلالَهُ، والمُرادُ مِنَ الإضْلالِ الحُكْمُ بِضَلالِهِ وتَسْمِيَتِهِ ضالًّا.
ورابِعُها: الفِتْنَةُ الِاخْتِبارُ، يَعْنِي مَن يُرِدِ اللَّهَ اخْتِبارَهُ فِيما يَبْتَلِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتْرُكُها ولا يَقُومُ بِأدائِها فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ثَوابًا ولا نَفْعًا.
* * *