Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:38-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والسّارِقَةَ“ بِالنَّصْبِ، ومِثْلُهُ: (الزّانِيَةَ والزّانِيَ) .
والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبُ في هَذا. قالَ: لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زَيْدًا فاضْرِبْهُ أحْسَنُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، وأيْضًا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاقْطَعُوا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ الرَّفْعَ أوْلى مِنَ النَّصْبِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ يَقُومانِ مَقامَ ”الَّذِي“ فَصارَ التَّقْدِيرُ: الَّذِي سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ حَسُنَ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ صارَ جَزاءً، وأيْضًا النَّصْبُ إنَّما يَحْسُنُ إذا أرَدْتَ سارِقًا بِعَيْنِهِ أوْ سارِقَةً بِعَيْنِها، فَأمّا إذا أرَدْتَ تَوْجِيهَ هَذا الجَزاءِ عَلى كُلِّ مَن أتى بِهَذا الفِعْلِ فالرَّفْعُ أوْلى، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ وهو المُعْتَمَدُ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الشَّرْطُ والجَزاءُ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَطْعَ شُرِعَ جَزاءً عَلى فِعْلِ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الجَزاءُ لِعُمُومِ الشَّرْطِ.
والثّانِي: أنَّ السَّرِقَةَ جِنايَةٌ، والقَطْعَ عُقُوبَةٌ، ورَبْطُ العُقُوبَةِ بِالجِنايَةِ مُناسِبٌ، وذِكْرُ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ.