Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
تَطْلُبُ الدُّنْيا والآخِرَةَ بِالضَّرَّتَيْنِ وبِالضِّدَّيْنِ، وبِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وبِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الِانْقِيادُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ مِن أشَقِّ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ وأشَدِّها ثِقَلًا عَلى الطَّبْعِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أرْدَفَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ آيَةٌ شَرِيفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْرارٍ رُوحانِيَّةٍ، ونَحْنُ نُشِيرُ هَهُنا إلى واحِدٍ مِنها، وهو أنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَرِيقانِ، مِنهم مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لا لِغَرَضٍ سِوى اللَّهِ، ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ لِغَرَضٍ آخَرَ.
والمَقامُ الأوَّلُ: هو المَقامُ الشَّرِيفُ العالِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ أيْ في سَبِيلِ عُبُودِيَّتِهِ وطَرِيقِ الإخْلاصِ في مَعْرِفَتِهِ وخِدْمَتِهِ.
والمَقامُ الثّانِي: دُونَ الأوَّلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ والفَلاحُ اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَلاصِ عَنِ المَكْرُوهِ والفَوْزِ بِالمَحْبُوبِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى مَعاقِدِ جَمِيعِ الخَيْراتِ، ومَفاتِحِ كُلِّ السَّعاداتِ أتْبَعَهُ بِشَرْحِ حالِ الكُفّارِ، وبِوَصْفِ عاقِبَةِ مَن لَمْ يَعْرِفْ حَياةً ولا سَعادَةً إلّا في هَذِهِ الدّارِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأُمُورِ الفَظِيعَةِ نَوْعَيْنِ: