Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:33-34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى تَغْلِيظَ الإثْمِ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ ولا فَسادٍ في الأرْضِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّ الفَسادَ في الأرْضِ الَّذِي يُوجِبُ القَتْلَ ما هو، فَإنَّ بَعْضَ ما يَكُونُ فَسادًا في الأرْضِ لا يُوجِبُ القَتْلَ فَقالَ ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٩
المَسْألَةُ الأُولى: في أوَّلِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُحارَبَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، والمُحارَبَةُ مَعَ الرُّسُلِ مُمْكِنَةٌ، فَلَفْظَةُ المُحارَبَةِ إذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ تَعالى كانَ مَجازًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ المُحارَبَةُ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُولِ كانَتْ حَقِيقَةً، فَلَفْظُ يُحارِبُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَجازِ والحَقِيقَةِ مَعًا، وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَهَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ.
وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنّا نَحْمِلُ المُحارَبَةَ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أحْكامَ اللَّهِ وأحْكامَ رَسُولِهِ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا كَذا وكَذا.