Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:31
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ كَلِمَةُ تَحَسُّرٍ وتَلَهُّفٍ، وفي الآيَةِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، فَلَمّا تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ عَلِمَ أنَّ الغُرابَ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهُ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ، فَنَدِمَ وتَلَهَّفَ وتَحَسَّرَ عَلى فِعْلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ رَقَّ قَلْبُهُ وقالَ: إنَّ الغُرابَ جاءَ، وكانَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ حالَ حَياتِهِ بِقَبُولِ قُرْبانِهِ. وأكْرَمَهُ بَعْدَ مَماتِهِ بِأنْ بَعَثَ هَذا الغُرابَ لِيَدْفِنَهُ تَحْتَ الأرْضِ عَلِمَ أنَّهُ عَظِيمُ الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ فَتَلَهَّفَ عَلى فِعْلِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى أخِيهِ إلّا بِأنْ يَدْفِنَهُ في الأرْضِ، فَلا جَرَمَ قالَ: يا ويْلَتى أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ.