Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:28-30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ الظّالِمَ إذا لَمْ يَجِدْ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُرْضِي خَصْمَهُ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ وحُمِلَ عَلى الظّالِمِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في أنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَمْ تَجِدْ ما يُرْضِينِي، وبِإثْمِكَ في قَتْلِكَ إيّايَ، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ. ومِنهم مَن قالَ شَجَّعَتْهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ كَوْنَهُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يَصِيرُ صارِفًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ كالشَّيْءِ العاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ الَّذِي لا يُطِيعُهُ بِوَجْهٍ البَتَّةَ، فَإذا أوْرَدَتِ النَّفْسُ أنْواعَ وساوِسِها صارَ هَذا الفِعْلُ سَهْلًا عَلَيْهِ، فَكَأنَّ النَّفْسَ جَعَلَتْ بِوَساوِسِها العَجِيبَةِ هَذا الفِعْلَ كالمُطِيعِ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَ كالعاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ. فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ خالِقُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ التَّزْيِينُ والتَّطْوِيعُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى النَّفْسِ.