Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبا قُرْبانًا ما كانا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وإنَّما كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمّا لَمّا أقْدَمَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أمْكَنَ جَعْلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلَيْهِمْ زَجْرًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِ هَذا الذَّنْبِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ بَيانُ إصْرارِ اليَهُودِ أبَدًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ عَلى التَّمَرُّدِ والحَسَدِ حَتّى بَلَغَ بِهِمْ شِدَّةُ الحَسَدِ إلى أنَّ أحَدَهُما لَمّا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبانَهُ حَسَدَهُ الآخَرُ وأقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّها رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ في الحَسَدِ، فَإنَّهُ لَمّا شاهَدَ أنَّ قُرْبانَ صاحِبِهِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مِمّا يَدْعُوهُ إلى حُسْنِ الِاعْتِقادِ فِيهِ والمُبالَغَةِ في تَعْظِيمِهِ، فَلَمّا أقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، وقَتَلَهُ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ في الحَسَدِ إلى أقْصى الغاياتِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بَيانَ أنَّ الحَسَدَ دَأْبٌ قَدِيمٌ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَبَ أنْ يُقالَ: هَذانِ الرَّجُلانِ كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.