Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) فَذَكَرَ تَعالى أنَّ الأعْداءَ يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والمِحْنَةِ بِهِمْ لَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُهم بِفَضْلِهِ ويَمْنَعُ أعْداءَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ التَّسْلِيَةِ وتَخْفِيفِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى القَلْبِ ذَكَرَ قِصَصًا كَثِيرَةً في أنَّ كُلَّ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَإنَّ النّاسَ يُنازِعُونَهُ حَسَدًا وبَغْيًا، فَذَكَرَ أوَّلًا قِصَّةَ النُّقَباءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأخْذِ اللَّهِ تَعالى المِيثاقَ مِنهم، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ نَقَضُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حَتّى وقَعُوا في اللَّعْنِ والقَساوَةِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ شِدَّةَ إصْرارِ النَّصارى عَلى كُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِحَسَدِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ مُوسى في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ وإصْرارِ قَوْمِهِ عَلى التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ أنَّ أحَدَهُما قَتَلَ الآخَرَ حَسَدًا مِنهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَهُ، وكُلُّ هَذِهِ القِصَصِ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْظَمَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدِ اتِّفاقُ الأعْداءِ عَلى اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ لَمّا هَمَّ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ وأنْ يُوقِعُوا بِهِ آفَةً ومِحْنَةً.