Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:24-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٥٨
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَعَلَّ القَوْمَ كانُوا مُجَسِّمَةً، وكانُوا يُجَوِّزُونَ الذَّهابَ والمَجِيءَ عَلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ حَقِيقَةَ الذَّهابِ بَلْ هو كَما يُقالُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، يَعْنِي يُرِيدُ أنْ يُجِيبَنِي، فَكَأنَّهم قالُوا: كُنْ أنْتَ ورَبُّكَ مُرِيدَيْنِ لِقِتالِهِمْ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ مُعِينٌ لَكَ بِزَعْمِكَ، فَأضْمَرَ خَبَرَ الِابْتِداءِ.
فَإنْ قِيلَ: إذا أضْمَرْنا الخَبَرَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَوْلُهُ ﴿فَقاتِلا﴾ خَبَرًا أيْضًا ؟
قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
والرّابِعُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ (ورَبُّكَ) أخُوهُ هارُونُ، وسَمَّوْهُ رَبًّا؛ لِأنَّهُ كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى. قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهم ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ إنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ الذَّهابِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ فَهو كُفْرٌ، وإنْ قالُوهُ عَلى وجْهِ التَّمَرُّدِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو فِسْقٌ، ولَقَدْ فَسَقُوا بِهَذا الكَلامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ (المائِدَةِ: ٢٦) والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ خِلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ وشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُنازَعَةِ مَعَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى مُنْذُ كانُوا.