Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ مَوْضِعَ الإلْزامِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، واليَهُودُ والنَّصارى كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٨٠) .
والثّالِثُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ فَلِمَ مَسَخَكم، فالمُعَذَّبُ في الحَقِيقَةِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّهم لَمّا كانُوا مِن جِنْسِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ، وهَذا الجَوابُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ في الوُجُودِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى يُعَذِّبُنا، بَلِ الأوْلى أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ قَدْ وُجِدَ وحَصَلَ حَتّى يَكُونَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ قَوِيًّا مَتِينًا.
صفحة ١٥٣
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، ولَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ يَمْنَعُهُ مِن أنْ يُعَذِّبَهُ، بَلِ المُلْكُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ مُرادَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ كَمالُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وكَمالُ عِنايَتِهِ بِهِمْ.