Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٥١
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ أحَدًا مِنَ النَّصارى لا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ مَعَ أنَّهم لا يَقُولُونَ بِهِ.
وجَوابُهُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحُلُولِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَحِلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هَذا أقْرَبُ مِمّا يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُقْنُومُ الكَلِمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ذاتًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ ذاتًا فَذاتُ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَلَّتْ في عِيسى واتَّحَدَتْ بِعِيسى فَيَكُونُ عِيسى هو الإلَهُ عَلى هَذا القَوْلِ. وإنْ قُلْنا: إنَّ الأُقْنُومَ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ، فانْتِقالُ الصِّفَةِ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أُخْرى غَيْرُ مَعْقُولٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ انْتِقالِ أُقْنُومِ العِلْمِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى عِيسى يَلْزَمُ خُلُوَّ ذاتِ اللَّهِ عَنِ العِلْمِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإلَهُ هو عِيسى عَلى قَوْلِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى وإنْ كانُوا لا يُصَرِّحُونَ بِهَذا القَوْلِ إلّا أنَّ حاصِلَ مَذْهَبِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ: