Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإنْ بالَغُوا في إيحاشِكم، فَهَذا خِطابٌ عامٌّ، ومَعْناهُ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ الخَلْقِ بِأنْ لا يُعامِلُوا أحَدًا إلّا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ، وتَرْكِ المَيْلِ والظُّلْمِ والِاعْتِسافِ.
والثّانِي: أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالكُفّارِ فَإنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ يُعْقَلُ ظُلْمُ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ ؟
قُلْنا: يُمْكِنُ ظُلْمُهم أيْضًا مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنها أنَّهم إذا أظْهَرُوا الإسْلامَ لا يَقْبَلُونَهُ مِنهم، ومِنها قَتْلُ أوْلادِهِمُ الأطْفالِ لِاغْتِمامِ الآباءِ، ومِنها إيقاعُ المُثْلَةِ بِهِمْ، ومِنها نَقْضُ عُهُودِهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ فَنَهاهم أوَّلًا عَنْ أنْ يَحْمِلَهُمُ البَغْضاءُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَصَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٧) أيْ هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: هو أقْرَبُ إلى الِاتِّقاءِ مِن مَعاصِي اللَّهِ تَعالى.