Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ والثَّلاثُونَ: اخْتَلَفَ النّاسُ في مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ وفي غَسْلِهِما، فَنَقَلَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ: أنَّ الواجِبَ فِيهِما المَسْحُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ: فَرْضُهُما الغَسْلُ، وقالَ داوُدُ الأصْفَهانِيُّ: يَجِبُ الجَمْعُ بَيْنَهُما وهو قَوْلُ النّاصِرِ لِلْحَقِّ مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ.
حُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِ المَسْحِ مَبْنِيٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ المَشْهُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِالجَرِّ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ بِالنَّصْبِ، فَنَقُولُ: أمّا القِراءَةُ بِالجَرِّ فَهي تَقْتَضِي كَوْنَ الأرْجُلِ مَعْطُوفَةً عَلى الرُّءُوسِ، فَكَما وجَبَ المَسْحُ في الرَّأْسِ فَكَذَلِكَ في الأرْجُلِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا كُسِرَ عَلى الجِوارِ كَما في قَوْلِهِ: ”جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ“، وقَوْلِهِ:
كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلٍ
قُلْنا: هَذا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَسْرَ عَلى الجِوارِ مَعْدُودٌ في اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، وكَلامُ اللَّهِ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ.