Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى أنَّ التَّرْتِيبَ المُعْتَبَرَ في الحِسِّ أنْ يَبْدَأ مِنَ الرَّأْسِ نازِلًا إلى القَدَمِ، أوْ مِنَ القَدَمِ صاعِدًا إلى الرَّأْسِ، والتَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا التَّرْتِيبُ المُعْتَبَرُ في الشَّرْعِ فَهو أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الأعْضاءِ المَغْسُولَةِ، ويُفْرِدَ المَمْسُوحَةَ عَنْها، والآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى أدْرَجَ المَمْسُوحَ في أثْناءِ المَغْسُولاتِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ إهْمالَ التَّرْتِيبِ في الكَلامِ مُسْتَقْبَحٌ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ فِيما إذا صارَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ واجِبٌ، فَيَبْقى في غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى وفْقِ الأصْلِ.
الرّابِعُ: أنَّ إيجابَ الوُضُوءِ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الإتْيانِ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ورَدَ في النَّصِّ.
بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَدَثَ يَخْرُجُ مِن مَوْضِعٍ والغَسْلَ يَجِبُ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ وهو خِلافُ المَعْقُولِ.
وثانِيها: أنَّ أعْضاءَ المُحْدِثِ طاهِرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وكَلِمَةُ إنَّما لِلْحَصْرِ، وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ حَيًّا ولا مَيِّتًا» “ وتَطْهِيرُ الطّاهِرِ مُحالٌ.