Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ قالَ: الوُضُوءُ مَأْمُورٌ بِهِ، وكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا فالوُضُوءُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ شَرْطًا لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ”فاغْسِلُوا وامْسَحُوا“ أمْرٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥] واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيَعْبُدُوا) ظاهِرٌ لِلتَّعْلِيلِ، لَكِنَّ تَعْلِيلَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الباءِ لِما عُرِفَ مِن جَوازِ إقامَةِ حُرُوفِ الجَرِّ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وما أُمِرُوا إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، والإخْلاصُ عِبارَةٌ عَنِ النِّيَّةِ الخالِصَةِ، ومَتى كانَتِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ مُعْتَبَرَةً كانَ أصْلُ النِّيَّةِ مُعْتَبَرًا. وقَدْ حَقَّقْنا الكَلامَ في هَذا الدَّلِيلِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ في طَلَبِ زِيادَةِ الإتْقانِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ وُضُوءٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ وُضُوءٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا أقْصى ما في البابِ أنَّ قَوْلَنا: كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَنَوِيًّا مَخْصُوصٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ، لَكِنّا إنَّما أثْبَتْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ بِعُمُومِ النَّصِّ، والعامُّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.