Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والرّابِعُ: أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى قَوْلِنا لَفْظِيَّةٌ، ودَلالَةَ الخَبَرِ الَّذِي رَوَيْتُمْ عَلى قَوْلِكم فِعْلِيَّةٌ، والدَّلالَةُ القَوْلِيَّةُ أقْوى مِنَ الدَّلالَةِ الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ الدَّلالَةَ القَوْلِيَّةَ غَنِيَّةٌ عَنِ الفِعْلِيَّةِ ولا يَنْعَكِسُ، فَهَذا ما في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْوى في إثْباتِ المَذْهَبِ المَشْهُورِ أنْ يُقالَ: لَوْ وجَبَ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ لَكانَ المُوجِبُ لِلْوُضُوءِ هو القِيامَ إلى الصَّلاةِ ولَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ تَأْثِيرٌ في إيجابِ الوُضُوءِ، لَكِنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلى المُتَغَوِّطِ والمُجامِعِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَبَبًا لِوُجُوبِ الطَّهارَةِ عِنْدَ وُجُودِ الماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وُجُوبُ الوُضُوءِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى القِيامِ إلى الصَّلاةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاةِ ؟ والأصَحُّ أنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ فِعْلَ الصَّلاةِ عَلى الطَّهُورِ بِالماءِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَتى عُدِمَ لا تَصِحُّ إلّا بِالتَّيَمُّمِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَما صَحَّ ذَلِكَ.