Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ قَوْمٌ: الأمْرُ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، الشَّرْطُ فِيها القِيامُ إلى الصَّلاةِ، والجَزاءُ الأمْرُ بِالغَسْلِ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّيْءِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ بِالوُضُوءِ تَبَعٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ. وقالَ آخَرُونَ: المَقْصُودُ مِنَ الوُضُوءِ الطَّهارَةُ، والطَّهارَةُ مَقْصُودَةٌ بِذاتِها بِدَلِيلِ القُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأمّا الحَدِيثُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بُنِيَ الدِّينُ عَلى النَّظافَةِ» “ وقالَ: ”«أُمَّتِي غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ ولِأنَّ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ وارِدَةٌ في كَوْنِ الوُضُوءِ سَبَبًا لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ داوُدُ: يَجِبُ الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لا يَجِبُ. احْتَجَّ داوُدُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ قِيامًا واحِدًا وصَلاةً واحِدَةً، فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُمُومَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: