Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 5:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هو ذَلِكَ اليَوْمَ بِعَيْنِهِ حَتّى يُقالَ إنَّهم ما يَئِسُوا قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، وإنَّما هو كَلامٌ خارِجٌ عَلى عادَةِ أهْلِ اللِّسانِ مَعْناهُ لا حاجَةَ بِكُمُ الآنَ إلى مُداهَنَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لِأنَّكُمُ الآنَ صِرْتُمْ بِحَيْثُ لا يَطْمَعُ أحَدٌ مِن أعْدائِكم في تَوْهِينِ أمْرِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: كُنْتَ بِالأمْسِ شابًّا واليَوْمَ قَدْ صِرْتَ شَيْخًا، ولا يُرِيدُ بِالأمْسِ اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ، ولا بِاليَوْمِ يَوْمَكَ الَّذِي أنْتَ فِيهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمُعَةَ وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفاتٍ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَئِسُوا مِن أنْ تُحَلِّلُوا هَذِهِ الخَبائِثَ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ مُحَرَّمَةً.
والثّانِي: يَئِسُوا مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلى دِينِكم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ وعَدَ بِإعْلاءِ هَذا الدِّينِ عَلى كُلِّ الأدْيانِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٣] فَحَقَّقَ تِلْكَ النُّصْرَةَ وأزالَ الخَوْفَ بِالكُلِّيَّةِ وجَعَلَ الكُفّارَ مَغْلُوبِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا غالِبِينَ، ومَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ، وهَذا القَوْلُ أوْلى.
صفحة ١٠٩