Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:174-175
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: ومَن صاحِبُكم ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيُّ شَيْءٍ قُلْتُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأنا أقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الحُجَّةَ القاطِعَةَ عَلى أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنًا لَهُ أشارَ بَعْدَهُ إلى حِكايَةِ شُبْهَتِهِمْ وأجابَ عَنْها، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ في إثْباتِ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ هو أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ وكانَ يَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ أعْلى حالًا مِنهُ في العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ لِأنَّهم مُطَّلِعُونَ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأعْلى حالًا مِنهُ في القُدْرَةِ لِأنَّ ثَمانِيَةً مِنهم حَمَلُوا العَرْشَ عَلى عَظَمَتِهِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ كَمالِ حالِهِمْ في العُلُومِ والقُدْرَةِ لَنْ يَسْتَنْكِفُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي كانَ مَعَهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ! وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ الآياتُ مُتَناسِبَةً مُتَتابِعَةً ومُناظَرَةً شَرِيفَةً كامِلَةً، فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.