cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:163-165

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اليَهُودِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يُبَشِّرُوا الخَلْقَ عَلى اشْتِغالِهِمْ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وأنْ يُنْذِرُوهم عَلى الإعْراضِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ البِعْثَةِ، فَإذا حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ فَقَدْ كَمُلَ الغَرَضُ وتَمَّ المَطْلُوبُ، وهَذا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ حاصِلٌ بِإنْزالِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى بَيانِ هَذا المَطْلُوبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُ هَذا المَطْلُوبِ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكِتابُ مَكْتُوبًا في الألْواحِ أوْ لَمْ يَكُنْ، وبِأنْ يَكُونَ نازِلًا دُفْعَةً واحِدَةً أوْ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إنَّ إنْزالَ الكِتابِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا أقْرَبُ إلى المَصْلَحَةِ لَكانَ أوْلى لِأنَّ الكِتابَ إذا نَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً كَثُرَتِ التَّكالِيفُ وتَوَجَّهَتْ بِأسْرِها عَلى المُكَلَّفِينَ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ قَبُولُها، ولِهَذا السَّبَبِ أصَرَّ قَوْمُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّمَرُّدِ ولَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ التَّكالِيفَ، أمّا إذا نَزَلَ الكِتابُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ يُنْزِلُ التَّكالِيفَ شَيْئًا فَشَيْئًا وجُزْءًا فَجُزْءًا، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ مِنَ القَوْمِ وحاصِلُ هَذا الجَوابِ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ هو الإعْذارُ والإنْذارُ، وهَذا المَقْصُودُ حاصِلٌ سَواءٌ نَزَلَ الكِتابُ دُفْعَةً واحِدَةً أوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَكانَ اقْتِراحُ اليَهُودِ في إنْزالِ الكِتابِ دُفْعَةً واحِدَةً اقْتِراحًا فاسِدًا. وهَذا أيْضًا جَوابٌ عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ في غايَةِ الحُسْنِ، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي هَذا الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ أمْرٌ هَيِّنٌ في القُدْرَةِ، ولَكِنَّكم طَلَبْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ وهو تَعالى عَزِيزٌ، وعِزَّتُهُ تَقْتَضِي أنْ لا يُجابَ المُتَعَنِّتُ إلى مَطْلُوبِهِ فَكَذَلِكَ حِكْمَتُهُ تَقْتَضِي هَذا الِامْتِناعَ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى لَجاجِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أعْطى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّشْرِيفَ ومَعَ ذَلِكَ فَقَوْمُهُ بَقُوا مَعَهُ عَلى المُكابَرَةِ والإصْرارِ واللَّجاجِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.