Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:157
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا النُّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ مِن جِهَةِ ناسُوتِهِ لا مِن جِهَةِ لاهُوتِهِ، وأكْثَرُ الحُكَماءِ يَرَوْنَ ما يَقْرُبُ مِن هَذا القَوْلِ، قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ هَذا الهَيْكَلِ بَلْ هو إمّا جِسْمٌ شَرِيفٌ مُنْسابٌ في هَذا البَدَنِ، وإمّا جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ مُجَرَّدٌ في ذاتِهِ وهو مُدَبِّرٌ في هَذا البَدَنِ، فالقَتْلُ إنَّما ورَدَ عَلى هَذا الهَيْكَلِ، وأمّا النَّفْسُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالقَتْلُ ما ورَدَ عَلَيْهِ، لا يُقالُ: فَكُلُّ إنْسانٍ كَذَلِكَ فَما الوَجْهُ لِهَذا التَّخْصِيصِ ؟ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ نَفْسَهُ كانَتْ قُدُسِيَّةً عُلْوِيَّةً سَماوِيَّةً شَدِيدَةَ الإشْراقِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ عَظِيمَةَ القُرْبِ مِن أرْواحِ المَلائِكَةِ، والنَّفْسُ مَتى كانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَعْظُمْ تَألُّمُها بِسَبَبِ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البَدَنِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ الِانْفِصالِ عَنْ ظُلْمَةِ البَدَنِ تَتَخَلَّصُ إلى فُسْحَةِ السَّماواتِ وأنْوارِ عالَمِ الجَلالِ فَيَعْظُمُ بَهْجَتُها وسَعادَتُها هُناكَ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ غَيْرُ حاصِلَةٍ لِكُلِّ النّاسِ بَلْ هي غَيْرُ حاصِلَةٍ مِن مَبْدَأِ خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قِيامِ القِيامَةِ إلّا لِأشْخاصٍ قَلِيلِينَ، فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الحالَةِ.