Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:148
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ لا يَسْلَمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْيِيرِ والذَّمِّ مِن بَعْضِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهُ في الماضِي مِنَ النِّفاقِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، ولا يَرْضى بِالجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ وأقامَ عَلى نِفاقِهِ فَإنَّهُ لا يَكْرَهُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ مِن عِبادِهِ فِعْلَ القَبائِحِ ولا يَخْلُقُها، وذَلِكَ لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ إرادَتِهِ، فَلَمّا قالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَلِمْنا أنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، وأيْضًا لَوْ كانَ خالِقًا لِأفْعالِ العِبادِ لَكانَ مُرِيدًا لَها، ولَوْ كانَ مُرِيدًا لَها لَكانَ قَدْ أحَبَّ إيجادَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وإنَّهُ خِلافُ الآيَةِ.
والجَوابُ: المَحَبَّةُ عِنْدَنا عِبارَةٌ عَنْ إعْطاءِ الثَّوابِ عَلى الفِعْلِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أرادَهُ ولَكِنَّهُ ما أحَبَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، ولا غَيْرَ الجَهْرِ أيْضًا، ولَكِنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ لِأنَّ كَيْفِيَّتَهُ الواقِعَةَ أوْجَبَتْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النِّساءِ: ٩٤] والتَّبَيُّنُ واجِبٌ في الطَّعْنِ والإقامَةِ، فَكَذا هَهُنا.