Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:137-138
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ في الكُفْرِ إنَّما حَصَلَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤]؛ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ أعْظَمُ دَرَجاتِ الكُفْرِ وأقْوى مَراتِبِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِما قَبْلَ التَّوْبَةِ أوْ بِما بَعْدَها. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَبْلَ التَّوْبَةِ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلى الإطْلاقِ، وحِينَئِذٍ تَضِيعُ هَذِهِ الشَّرائِطُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بَعْدَ التَّوْبَةِ مَغْفُورٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بَعْدَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالسُّؤالُ لازِمٌ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: (إنَّ الَّذِينَ) عَلى الِاسْتِغْراقِ، بَلْ نَحْمِلُهُ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ، والمُرادُ بِهِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهم أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَتُوبُونَ عَنْهُ قَطُّ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إخْبارٌ عَنْ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ السُّؤالُ.