Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ﴾ يُوهِمُ أنَّهُ رُخْصَةٌ، والغايَةُ فِيهِ ارْتِفاعُ الإثْمِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الصُّلْحَ كَما أنَّهُ لا جُناحَ فِيهِ ولا إثْمَ فَكَذَلِكَ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ ومَنفَعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَإنَّهُما إذا تَصالَحا عَلى شَيْءٍ فَذاكَ خَيْرٌ مِن أنْ يَتَفَرَّقا أوْ يُقِيما عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الشُّحَّ هو البُخْلُ، والمُرادُ أنَّ الشُّحَّ جُعِلَ
صفحة ٥٤
كالأمْرِ المُجاوِرِ لِلنُّفُوسِ اللّازِمِ لَها، يَعْنِي: أنَّ النُّفُوسَ مَطْبُوعَةٌ عَلى الشُّحِّ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ المَرْأةَ تَشِحُّ بِبَذْلِ نَصِيبِها وحَقِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الزَّوْجَ يَشِحُّ بِأنْ يَقْضِيَ عُمُرَهُ مَعَها مَعَ دَمامَةِ وجْهِها وكِبَرِ سِنِّها، وعَدَمِ حُصُولِ اللَّذَّةِ بِمُجانَسَتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَحْسُنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الأزْواجِ، يَعْنِي: وإنْ تُحْسِنُوا بِالإقامَةِ عَلى نِسائِكم وإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ وتَيَقَّنْتُمُ النُّشُوزَ والإعْراضَ، وما يُؤَدِّي إلى الأذى والخُصُومَةِ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى خَبِيرًا، وهو يُثِيبُكم عَلَيْهِ.