Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، بَلْ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ قَدْ صَلّى وصامَ وحَجَّ وزَكّى وجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ولَزِمَ بِحُكْمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ أنْ يَدْخُلَ النّارَ، فَأمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ يُنْقَلَ إلى النّارِ فَذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يَدْخُلُ النّارَ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٤٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّقِيرُ: نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يُنْقَصُونَ قَدْرَ مَنبِتِ النَّواةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم لا يُظْلَمُونَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم كَذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٨] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الرّاجِعُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ عائِدًا إلى عُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ ما لا يَنْقُصُ عَنِ الثَّوابِ كانَ بِأنْ لا يَزِيدَ في العِقابِ أوْلى هَذا هو الحُكْمُ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ عَلى وفْقِ تَعارُفِ الخَلْقِ.