Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 4:119-122
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا المَرَضَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وهي التَّشَوُّشُ والنُّقْصانُ والبُطْلانُ، فَأمّا التَّشَوُّشُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَ الأمانِيِّ يَشْغَلُ عَقْلَهُ وفِكْرَهُ في اسْتِخْراجِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ، والحِيَلِ والوَسائِلِ اللَّطِيفَةِ في تَحْصِيلِ المَطالِبِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَهَذا مَرَضٌ رُوحانِيٌّ مِن جِنْسِ التَّشَوُّشِ، وأمّا النُّقْصانُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَتْكَ الآذانِ نَوْعُ نُقْصانٍ؛ وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مُسْتَغْرِقَ العَقْلِ في طَلَبِ الدُّنْيا صارَ فاتِرَ الرَّأْيِ ضَعِيفَ الحَزْمِ في طَلَبِ الآخِرَةِ، وأمّا البُطْلانُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يُوجِبُ بُطْلانَ الصِّفَةِ الحاصِلَةِ في المُدَّةِ الأُولى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن بَقِيَ مُواظِبًا عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ مُعْرِضًا عَنِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ فَلا يَزالُ يَزِيدُ في قَلْبِهِ الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا والنُّفْرَةُ عَنِ الآخِرَةِ، ولا تَزالُ تَتَزايَدُ هَذِهِ الأحْوالُ إلى أنْ يَتَغَيَّرَ القَلْبُ بِالكُلِّيَّةِ فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذِكْرُ الآخِرَةِ البَتَّةَ، ولا يَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ حُبُّ الدُّنْيا البَتَّةَ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ، وقَوْلُهُ وفِعْلُهُ لِأجْلِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ تَغْيِيرَ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما دَخَلَتْ في هَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ عَلى سَبِيلِ السَّفَرِ، وهي مُتَوَجِّهَةٌ إلى عالَمِ القِيامَةِ، فَإذا نَسِيَتْ مَعادَها، وألِفَتْ هَذِهِ المَحْسُوساتِ الَّتِي لا بُدَّ مِنَ انْقِضائِها وفَنائِها كانَ هَذا بِالحَقِيقَةِ تَغْيِيرًا لِلْخِلْقَةِ، وهو كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحَشْرِ: ١٩] وقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦] .